|
الشهيد أنيس دولة: إسمح لي أن أزورك في التراب!! / بقلم / وزير شؤون الاسرى والمحررين
الاثنين, 02.08.2010, 06:20am (GMT+3)
لأن الوطن صغير، فالمقابر لا تتسع لسكانه الشهداء الراحلين والشهداء مع وقف التنفيذ، ولا بد من مخيلة قادرة على استدعاء البعيد إلى القريب وجعل ما ليس مرئياً مرئياً، لتبقى المقارنة واضحة بين سجنٍ كبير وسجنٍ صغير، وبين مقبرةٍ هنا عليها شاهد ومقبرةٍ هناك عليها رقم سرّي. الشهيد أنيس محمود دولة، سكان مدينة قلقيلية، اعتقل عام 1968 وحكم عليه بالسجن المؤبد، سقط شهيداً يصارع مرض القلب خلال إضرابه عن الطعام مع زملائه الأسرى في سجن عسقلان تضامناً مع إضراب سجن نفحة التاريخي عام 1980. رفض طبيب السجن الذي يدعى "أدمون" إعطائه العلاج المناسب حتى سقط يوم 31 آب 1980 شهيداً مبتسماً للحياة البيضاء بعد أن انتصر أسرى نفحة على السجّان والظلام في تلك المعركة الفاصلة في تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة. لا زالت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحتجز جثته منذ ثلاثين عاماً في إحدى مقابرها العسكرية التي تدعى "مقابر الأرقام"، عميقاً عميقاً في النسيان والغياب وتحت تراب الحرب والكراهية، معتقدةً أن الأموات تدلّ على الأحياء، وأن أنيس دولة لا زال يغنّي نشيد عسقلان في أبديته المتحوّلة. دولة اسبارطية ونووية لا زالت تحتفظ برفات أسيرٍ جاع طويلاً وتعطّش كثيراً إلى الحريّة، لم يكمل مؤبّده إلا بالموت الحر، صاعداً إلى ملكوته بلا قيودٍ وأبوابٍ مغلقة. دولة اسبارطية لا زالت تناقش حبات الملح في روحه وأسباب فدائيته، ومنذ ثلاثين عاماً لم تنته محاكمة الشهيد على دوره الطبيعي في محاولته اقتباس أمثولة الطير في الطيران وضحكة الضوء في عتمة الزنزانة. لا أعرف دولة لا زالت تخاف ممن تحت التراب، تحتجزهم في مدافن بائسة، تنتظر أن تتحلل أجسادهم وتذوب في الماء أو في النسيان، وتبقى خائفة أنهم صاروا حلماً لمن بعدهم في الحياة. أنيس دولة له اسم وبلد و"كوشان" وعائلة وصورة، وله "برش" في سجن عسقلان، وكرّاسات كتب فيها هذيانه الملغوم بالأمنيات، وله أصدقاء رحلوا وآخرون لا زالوا يحتفظون بقرآنه وقميصه البنّي وضحكته المدهشة. لقد استفزّ الشهيد الدولة العبريّة عندما تحرر من المؤبّد والمرض بالموت الورديّ المطلق، ولأنه انتصر على المنتصر بجسده الأعزل أثبت أن في داخل كل ضحية بطلٌ أو أسطورة، يستطيع أن يحرم الظلام من متعته الدّاكنة. أنيس دولة: اسمح لي أن أزورك في التراب، لأرى قلبك يشعّ بضوء البرتقال، وأرى شهداء حولك أسرى لا تزال القيود في عظامهم والرصاصات في أجسادهم المفتوحة والمنهوبة، وارى داخلك الذي يكمل خارجك: شجراً ومطراً ورائحة صلاة. أعرف أنك تعرف كل شيء، تحتفل بكل يومٍ جديد، وأعرف بأنك تتصدّى للجفاف السياسي وللصمت الإنساني بصمودك في التقويم الفلسطيني، لم تتوقّف فيك أية حاسّة لأنك تتنفّس رهن أشارة قلبك والقدس. ولكني ما زلت أسألك: لماذا أخذوك من السجن إلى المقبرة؟ ألم يكتفوا بما فيك من رطوبةٍ وقهرٍ وعزلةٍ وصدى حديد؟ كأنهم يعتقدون أن في كل أسير صوت يتجدّد في الآخرين، وأن احتجاز جثتك يعني احتجاز قصتك وإخفاء جريمةٍ عن عيون البراهين. لكنك أنت أنت وهم هم: أنت الأسير الشهيد العائد من الحقيقة إلى الحقيقة، وهم المحتلّون التائهون بلا دليل والغارقون في الخطيئة، أنت لم تمت عابراً في حادثة، بل في انشغالك بترميم غدك كي تتوازن نسبة السخونة في دمك ونسبة الإيقاع في حلمك فوق سبع سماوات عاليات يقفن فوق سبع جبالٍ شامخات هي دعاء أمّك الرّاضية. وهم يهاجرون من ليلٍ إلى ليل، يقطعون أي زيتونةٍ تنمو في مقبرة أو في قصيدة، يطلّون من وراء جدارٍ ومستوطنة، وكلّما توغّلوا فينا عادت بهم أهدافهم إلى خطاهم المعاكسة. أنيس دولة: اسمح لي أن أزورك في التراب، فليس صحيحاً أن النهاية تبدأ بالموت، فنحن نقترب من العلامات الدّامغة، حيث يعود القتلة إلى معسكراتهم خائبين، ونعود نحن إلى بيوتنا أحراراً سالمين.
الإسم أنيس محمود محمد دولة رقم الهوية ر.س.2239 مكان الولادة قلقيلية تاريخ الولادة 28/8/1944 الحالة الإجتماعية أعزب مكان الإستشهاد \ الإختفاء سجن عسقلان _ خلف الخط الأخضر تاريخ الإستشهاد \ الإختفاء 31/8/1980 ظروف الإستشهاد \ الإختفاء الشهيد أنيس محمود محمد دولة، من مقاتلي الثورة الفلسطينية، وقد عبر الحدود الأردنية باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتله عام 1968 في دورية قتالية استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي. وقد خاضت الدورية العسكرية معركة مع تلك القوات وقع بنتيجتها أنيس محمود محمد دولة أسيراً وقد استشهد يوم 31/8/1980 جراء عدم تقديم الإسعافات الطبية اللازمة لتدهور حالته الصحية، الناجم عن خوضه ورفاقه في الحركة الأسيرة إضراباً مفتوحاً عن الطعام للمطالبة بالحقوق المتعلقة بالأسرى والمعتقلين. ولازالت السلطات العسكرية الإسرائيلية ترفض تسليم جثمانه لذويه.
قلقيلية الغد
|