جدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس موقفه في ضرورة وقف اسرائيل عمليات الاستيطان بالكامل وتعترف بحدود العام 1967, وقال انها ليست شروطا مسبقة، وانما خطوات مستحقة بعد المرحلة الاولى من خارطة الطريق الدولية للسلام.
واكد في حديث خاص اجرته معه مجلة 'دير شبيغل' الالمانية واسعة الانتشار 'لقد قمنا بالالتزامات المترتبة علينا وقد اعترف بهذا الاميركيون والاوروبيون وحتى الاسرائيليون'. وحول الموقف الاميركي، عبر الرئيس عباس عن ضيقه 'من تغيير الاميركيين لمسارهم. ولكنني لن اتراجع عن موقفي'.
واضاف 'ليس من واجبي ان اقول للاميركيين كيف يتعاملون مع اسرائيل. ولكن امامهم خيارات.
فهم قبل كل شيء اكبر دولة في العالم. وقال اوباما ان قيام دولة فلسطينية يمثل مصلحة اميركية مهمة. وعلى الرئيس (الاميركي) تقع مسؤولية بذل كل ما لديه من طاقة لتحقيق السلام ورؤيا الدولة الفلسطينية'.
وتنشر ترجمة كاملة لنص المقابلة التي جاءت على النحو الآتي:
دير شبيغل: سيدي الرئيس، ان العالم باكمله ينتظر منكم ان تلتقوا مع رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو لاجراء محادثات. متى سيحدث ذلك؟
الرئيس عباس: هذا يعتمد على اسرائيل. نحن الفلسطينيون قلنا دوما اننا نرغب في التفاوض، بشرط ان توقف اسرائيل عمليات الاستيطان بالكامل وتعترف بحدود 1967.
* لماذا تتخذ هذا الموقف في وجه المفاوضات بفرض شروط مسبقة؟
ـ هذه ليست شروطا مسبقة، وانما هي خطوات مستحقة بعد المرحلة الاولى من خارطة الطريق الدولية للسلام. وعلى عكس الموقف الاسرائيلي، لقد قمنا بالالتزامات المترتبة علينا: اعترفنا بحق اسرائيل في الوجود، ونقوم بمواجهة مجموعات العنف الفلسطينية. وقد اعترف بهذا الاميركيون والاوروبيون وحتى الاسرائيليون.
* اصدر نتنياهو تعليماته بتجميد الاستيطان لعشرة اشهر، وهو اجراء لم يسبق ان قام به اي رئيس وزراء اسرائيلي سابق. الم يحن الوقت لتقوموا بدوركم الان باتخاذ خطوة في هذا الاتجاه؟
عباس: انه ليس موقفا حازما حقا، لان بضعة الاف من الوحدات السكنية لا تزال تقام في الضفة الغربية، كما ان القدس مستثناة باكملها من تجميد الاستيطان.
* اجريت مفاوضات مع من سلف نتنياهو، اي ايهود اولمرت، فيما كانت اعمال بناء المستوطنات مستمرة من دون قيود في ذلك الوقت. الا يعتبر هذا كيلا بمكيالين؟
ـ نعم الى حد ما. لكنني طلبت من اولمرت تجميد البناء الاستيطاني في كل لقاء معه. ثم ان باراك اوباما انتخب رئيسا للولايات المتحدة في الفترة الانتقالية. وفي كلمته الى العالم الاسلامي التي القاها في القاهرة، دعا الى تجميد كامل للاستيطان. وعندما يقوم رئيس اميركي بهذا الامر، فانني لا استطيع ان اقبل اي شيء اقل منه.
* غير ان اوباما لا يتحدث الان الا عن 'كبح' اسرائيل لعمليات بناء المستوطنات. وقد وافقت بناء على رغبته على اجراء مصافحة رمزية مع نتنياهو في نيويورك.
ـ كنت في واقع الامر متفائلا جدا بعد ان فاز اوباما في الانتخابات. وتكررت زيارات مبعوثه الخاص جورج ميتشل الذي تعهد بحث الاسرائيليين على وقف الاستيطان بالكامل. وقال ميتشل ان المفاوضات ستجرى فقط بعد القرار النهائي. غير ان الحكومة الاميركية تراجعت فجأة عن موقفها في أيلول (سبتمبر) الماضي.
* هل تريد ان تقول ان الاشياء لم تتقدم بسبب التراجع الاميركي؟
ـ بالطبع. فانا اشعر بالضيق من تغيير الاميركيين لمسارهم. ولكنني لن اتراجع عن موقفي.
* ما الذي تتوقعه من اوباما؟
ـ لا ازال امل في ان ينعش مسيرة السلام. وعلى الاقل فان عليه ان يقنع الاسرائيليين باعلان تجميد كامل للانشاءات في الضفة الغربية والقدس الشرقية لبضعة اشهر.
* يبدو ان الضغوط التي بذلها اوباما على اسرائيل حتى الان لم تكن فاعلة تماما.
ـ ليس من واجبي ان اقول للاميركيين كيف يتعاملون مع اسرائيل. ولكن امامهم خيارات. فهم قبل كل شيء اكبر دولة في العالم. وقال اوباما ان قيام دولة فلسطينية يمثل مصلحة اميركية مهمة. وعلى الرئيس (الاميركي) تقع مسؤولية بذل كل ما لديه من طاقة لتحقيق السلام ورؤيا الدولة الفلسطينية.
* هل يمكن ان يكون السبب الحقيقي للجمود الحالي هو انك لا تثق بنتنياهو؟
ـ ما سمعته منه حتى الان في مختلف الاحوال يجعلني اتساءل ما اذا كان حقا يريد التوصل الى حل. فهو لم يعلن صراحة عن قبوله لحل الدولتين.
* في الكلمة التي القاها في جامعة بار ايلان في حزيران (يونيو) 2009 قال نتنياهو 'اذا اعترف الفلسطينيون باسرائيل كدولة يهودية، فاننا مستعدون للموافقة على اتفاق سلام حقيقي، وعلى دولة فلسطينية منزوعة السلاح جنبا الى جنب مع الدولة اليهودية'.
ـ انت ترى كيف انه هو الذي يضع شروطا مسبقة. فهو يعلن ان القدس 'عاصمة موحدة وابدية لدولة اسرائيل' وهو يرفض ان يبحث في قضية اللاجئين الفلسطينيين. ويصر على القبول باسرائيل مسبقا كدولة يهودية.
* ان مبدأ حل الدولتين لا بد يعني ان احدى الدولتين للفلسطينيين والثانية لليهود. ما الذي يمنعك من الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية؟
ـ لقد اعترفنا بدولة اسرائيل ضمن حدود 1967. وسواء كانت تصنف ذاتها بانها دولة يهودية او دولة صهيونية، فهذا شأنها. وكل ما يهمني، هو ان بامكانها ان تصنف نفسها كيفما تشاء. ولكنه لا يستطيع ان يجبرني على ان اوافق على هذا التوصيف.
* ليس بامكان اسرائيل ان تكون اسرائيل من دون أغلبية يهودية?
ـ صحيح ان الاغلبية من المواطنين في دولة اسرائيل يهود. غير انه ليس من صلاحياتي ان أحدد توصيف اسرائيل.
* ولكنك بهذه التصريحات تثير قلقا بين الاسرائيلين بانك فعلا تأمل في التغلب على هذه الاغلبية اليهودية، وربما عندما تواصل الاصرار على حق جميع الفلسطينيين الذين طردوا في العام 1948 في العودة.
ـ استطيع ان ادرك هذه المشاعر. هناك اليوم 5 ملايين فلسطيني لاجئ. انا لا اقول انه يجب ان يعودوا جميعا، ولكننا بحاجة الى حل عادل. قرار الامم المتحدة 194...
* 11 كانون الاول (ديسمبر) 1948
ـ .. ينص على ان الذين يتنازلون عن حق العودة يحق لهم الحصول على تعويضات مالية مناسبة مقابل ذلك. وبكلمة اخرى، هذا الحل كان على الطاولة لستين عاما، فما هي المشكلة اذن؟
* قدم لكم ايهود اولمرت الذي سبق نتنياهو في الحكم افضل عرض: قيام دولة فلسطينية على أكثر من 90 في المائة من الضفة الغربية، وتقسيم القدس، وعودة بضعة الاف من اللاجئين الى اسرائيل. لماذا رفضتم ذلك?
ـ انا لم ارفض هذا العرض. واولمرت استقال من منصبه بسبب مشاكل شخصية.
* لقد انتظرت طويلا.. ولو انك وافقت، فان من المحتمل ان يكون معظم الاسرائيليين راغبين في التخلي عن تهم الفساد ضد اولمرت. لقد قال وزير خارجيية اسرائيل السابق ابا ايبان ذات يوم ان الفلسطينيين لا يتخلون عن انتهاز اي فرصة>
ـ ... عدم انتهاز اي فرصة.. احفظ هذا القول. ولكننا انتهزنا الفرصة عندما كان اولمرت في منصبه. تفاوضنا بجدية تامة معه. تبادلنا الخرائط التي تبين المواقع على الحدود. ثم تخلى عن المنصب. خليفته تسيبي ليفني خسرت الانتخابات. فاين هي الفرصة التي لم ننتهزها؟
* لو انك وافقت على عرض اولمرت مبكرا قبل وقت كاف، لكان الامر قد ادى الى تعزيز موقف الذين يدعمون مسيرة السلام, وبدلا من ذلك، فان عليك الان ان تتعامل مع اثنين هما نتنياهو وليبرمان?
ـ هذا صحيح. فنحن في سباق مع الزمن للتوصل الى حل. ولكن الحقيقة هي انني لم اكن السبب في الاطاحة باي اتفاق. استقال اولمرت من منصبه قبل وقت قصير من الوصول الى خط النهاية.
* سيدي الرئيس، المعسكر الفلسطيني منقسم كثيرا. فحركة 'فتح لم تتمكن من منع 'حماس' من الاستيلاء بالقوة على قطاع غزة في العام 2007. كيف تنوي ان تضمن ان الشيء ذاته لن يحدث في الضفة الغربية؟
ـ نحن نسيطر سيطرة تامة على اجهزة الامن في الضفة الغربية. والوضع هناك مستقر 100 في المئة. ولن نسمح لما حدث في غزة ان يتكرر في الضفة الغربية.
* طالما بقيت 'حماس' تسيطر على غزة، فان اسرائيل لن توافق على قيام دولة فلسطينية.
ـ امضينا سنتين ونصف السنة في اجراء حوار برعاية مصر من اجل المصالحة. وتوج الحوار بوثيقة وقعنا علينا نحن، مندوبين عن 'فتح'، في 15 آب (اغسطس) 2009. وحتى اليوم ترفض 'حماس' التوقيع على الوثيقة.
* كيف لمصالحة ان تتحقق بين مفهوم علماني لحركتك 'فتح' واسلامي 'لحماس'؟
ـ نحن شعب متعدد الاديان والتوجهات السياسية. بعضنا متشدد في عقيدته، والبعض الاخر متشدد بعلمانيته، وهناك اخرون من المعتدلين. ولكننا اعتدنا على التعايش فيما بيننا لاكثر من 60 عاما. وكل هذه الحركات لها وجود ضمن منظمة التحرير الفلسطينية.
* هل يمكن لمروان البرغوثي، بطل الانتفاضة الثانية الذي يقبع في سجون اسرائيل، ان يكون الشخص الذي يستطيع ان يحقق المصالحة بين 'فتح' و'حماس'؟
ـ مروان البرغوثي جزء من قيادة 'فتح'. انه عضو في اللجنة المركزية لحركتنا. واذا ما اطلق سراحه، فان ذلك سيصب في مصلحتنا. ولكن حتى البرغوثي منفردا لن يتمكن من تحقيق المصالحة. فهناك اسباب خارجية تدعو 'حماس' الى عدم التوقيع على الوثيقة.
* انت تشير الى ايران?
ـ انت قلت هذا.
* سيدي الرئيس.. اعلنت انك لن ترشح نفسه لمنصب رئاسة سلطة الحكم الذاتي. فهل هذا اعتراف بانك لن تكون قادرا على تحقيق الحلم الفلسطيني في دولة ذات سيادة؟
ـ هذا صحيح تماما. فالطريق الى حل سياسي مغلق. ومن اجل هذا السبب، لا ارى سببا لبقائي في منصب رئيس سلطة الحكم الذاتي. كما ان لدي تحذيرا الى العالم: لا تدفعوا الفلسطينيين نحو نقطة اليأس التام.